فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إنهم لا يستنكفون عن عبوديتهم لله، بل يعتزون بهذه العبودية، ويُغضبهم ويسوؤهم أن نقول عنهم آلهة، أو نعطيهم من التقديس أكبر مما يستحقون؛ ذلك لأن ولاءهم وعصبيتهم لله تعالى أكبر من ولائهم وعصبيتهم لأنفسهم.
لذلك، فإن هذه الأشياء التي يتخذونها آلهة من دون الله هي أول مَنْ يلعنهم، فالأحجار التي عبدوها من دون الله- مع أن كلمة العبادة هنا خطأ ونقولها تجاوزًا؛ لأن العبادة طاعة العابد لأمر المعبود، وانتهاؤه ينهيه، والأحجار ليس لها أوامر وليس لها نَوَاهٍ- هذه الأحجار أعبد منهم لله، وأعرف منهم بالله؛ لذلك تكرههم الحجارة وتلعنهم، وتتحول عليهم في القيامة نارًا تَحْرقهم.
اقرأ هذا الحوار الذي يتنافس فيه غار حراء الذي شهد بداية الوحي وأَنِس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول آيات القرآن، وغار ثور الذي احتمى فيه رسول الله عند الهجرة، وكلاهما أحجار، يقول الشاعر:
كَمْ حَسَدْنَا حِرَاءَ حِينَ تَرى ** الرُّوحَ أمينًا يغْذُوكَ بالأنْوارِ

فَحِراءُ وثَوْرُ صَارَا سَوَاءً ** بهما اشْفع لدولةِ الأحجارِ

عَبدُونا ونَحْن أَعْبَدُ لله ** مِنَ القائمين بالأسْحَارِ

تَخِذُوا صَمْتنَا علينا دليلًا ** فغدَوْنا لهم وَقُودَ النارِ

قد تجنَّوا جَهْلًا كما قد تجنَّوْه ** علَى ابْن مريم والحَوارِى

للمُغَالِى جزاؤه والمغَالَى ** فيه تُنجيهِ رحمةُ الغَفارِ

لذلك يقول تعالى لعيسى عليه السلام: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116].
فيقول عيسى: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب} [المائدة: 116].
نعم، الله تعالى يعلم ما قال عبده ونبيه عيسى، لكن يريد أنْ يقر عليهم بأنه كاره لقولهم هذه الكلمة.
والنبي صلى الله عليه وسلم حينما هُزِم الرومان من الفرس حزن لهزيمة الرومان، لماذا؟ لأنهم أهل كتاب يعرفون الله، ويعرفون البلاغ عن الله، وإنْ كانوا كافرين به، أما الفُرْس فكانوا مَجُوسًا يعبدون النار؛ لذلك يُطمئنه ربه بقوله: {الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله} [الروم: 1- 5].
فإنْ كانوا لا يؤمنون بمحمد، فهم يؤمنون بربِّ محمد، فالعصبية- إذن- لله أكبر من العصبية للرسول المبلّغ عن الله.
ثم يقول سبحانه: {سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91].
يصفون بمعنى: يكذبون، لكن عبَّر عنه بالوصف كأن المعنى: إنْ أردت أنْ تعرف الكذب فاسمع إلى كلامهم فهو الوصف الدقيق له، وقال في موضع آخر: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب} [النحل: 62] فكلامهم هو الكذب بعينه، وهو أصدق وَصْف له؛ لأن الكذب ما خالف الواقع، وهم لا يقولون إلا ما خالف الواقع.
كما لو سألت: ما الحماقة؟ فأقول لك: انظر إلى تصرفات فلان، يعني: هي الوصف الصادق للحماقة، والترجمة الواضحة لها، وكأنه بلغ من الوصف مَبْلَغًا يُجسِّم لك المعنى الذي تريده.
ومعنى: {سُبْحَانَ الله} [المؤمنون: 91] تنزه، وهي مصدر وُجِد قبل أنْ يُوجَد المسيح، فهي صفة لله تعالى أزلية، حيث ثبت تنزيه الله قبل أن يخلق الخَلْق، فلما خلق الله السماء والأرض سبَّحت لله: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} [الحديد: 1] ولم ينقطع التسبيح بعد ذلك، قال الحق سبحانه: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الجمعة: 1].
وما دام الكل يُسبّح لله، وما زال مُسبِّحًا، فسبِّح أنت يا محمد: {سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى} [الأعلى: 1].
فكيف يكون الكون كله مُسبِّحًا، ولا تُسبِّح أنت، وأنت سيد هذا الكون؟
ثم يقول الحق سبحانه عن ذاته العلية: {عَالِمِ الغيب والشهادة فتعالى}.
العلم: إدراك قضية أو نسبة واقعة مجزوم بها وعليها دليل، ولا يصل إلى العلم إلا بهذه الشروط، فإنْ كانت القضية مجزومًا بها وواقعة، لكن لا تستطيع أن تُدلِّل عليها كالطفل حين يقول: الله أحد، فهذا تقليد كما يُقلِّد الولدُ أباه أو معلمه، فهو يُقلِّد غيره في هذا المسألة إلى أنْ يوجد عنده اجتهاد فيها ويستطيع هو أن يُدلِّل عليها.
فإنْ كانت القضية مجزومًا بها وليست واقعة، فهذا هو الجهل، فليس الجهل كما يظن البعض الاَّ تعلم، إنما الجهل أن تجزم بقضية مناقضة للواقع.
لذلك تجد الجاهل أشقّ وأتعب لأهل الدعوة وللمعلمين من الخالي الذهن الذي لا يعرف شيئًا، ليست لديه قضية بدايةً، فهذا ينتظر منك أن تُعلِّمه، أمّا الجاهل فيحتاج إلى أن تُخرِج من ذِهْنه القضية الخاطئة أولًا، ثم تضع مكانها الصواب.
والغيب: المراد به الغيب المطلق يعني: ما غاب عنك وعن غيرك، فنحن الآن مشهد لمن حضر مجلسنا هذا، إنما نحن غيب لمن غاب عنه، وهذا غيْب مُقيد، ومنه الكهرباء والجاذبية وغيرهما؛ لأن هذه الأشياء كانت غَيْبًا عَمَّنْ قبلنا مع أنها كانت موجودة، فلما توصلنا إلى مقدماتها ظهرت لنَا وصارت مشهدًا؛ لذلك قال تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].
فأثبت الإحاطة للناس لكن بشرط مشيئته تعالى، فإنْ شاء أطلعهم على الغيب، وأوصلهم إلى معرفته حين يأتي أجل ميلاده وظهوره.
إذن: المعلوم لغيرك وغَيْب عنك ليس غيبًا، وكذلك الغيب عنك وله مقدمات تُوصِّل إليه ليس غيبًا، إنما الغيب هو الغيب المطلق الذي غاب عنك وعن غيرك، والذي قال الله تعالى عنه: {عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ} [الجن: 27].
والشهادة: يعني المشهود، لكن ما دام الحق سبحانه يعلم الغيب، فمِنْ باب أَوْلَى يعلم المشهود، فلماذا ذكر الشهادة هنا؟ قالوا: المعنى: يعلم الغيب الذي غيِّب عني، ويعلم الشهادة لغيري.
ومن ناحية أخرى: ما دام أن الله تعالى غيْب مستتر عنا، وهناك كوْن ظاهر، فربما ظن البعض أن المستتر الغيب لا يعلم إلا الغيب، فأراد- سبحانه وتعالى- أن يؤكد على هذه المسألة، فهو سبحانه غيب، لكن يعلم الغيب والشهادة.
ونرى من الناس مَنْ يحاول أن يهتك ستار الغيب، ويجتهد في أن يكشف ما استتر عنه، فيذهب إلى العرافين والمنجِّمين وأمثالهم، وهو لا يدري أن الغيب من أعظم نِعَم الله على خَلْقه، فالغيب هو علة إعمار الكون، وبه يتم التعامل بين الناس، ذلك لأن الإنسان ابن أغيار، كثير التقلُّب، ولو علم كل منا وكُشِف له ما عند أخيه لتقاطع الناس، وما انتفع بعضهم ببعض.
لذلك يقولون: لو تكاشفتم ما تدافنتم.
يعني: لو كُشِف لك عما في قلب أخيك لَضننْتَ عليه حتى بدفنه بعد موته.
إذن: فجَعْل هذه المسائل غَيْبًا مستورًا يُحنِّن القلوب، ويثري الخير بين الناس، فينتفع كل منهم بالآخر، وإلا لو عَلِمتَ لواحد سيئة، وعرفتَ موقفه العدائي منك لكرهتَ حتى الخير الذي يأتيك من ناحيته، ولتحرك قلبك نحوه بالحقد والغل، وما انتفعتَ بما فيه من حسنات.
لذلك، نقول لمن يبحث عن غيْب الآخرين: إنْ أردتَ أن تعرف غَيْب غيرك، فاسمح له أن يعرف غَيْبك، ولن تسمح له بذلك، إذن: فدَعْ الأمر كما أراده الله، ولا تبحث عن غَيْب الآخرين حتى تستقيمَ دفّة الحياة.
وربك دائمًا يلفتك إلى النظر إلى المقابل، ففي الحديث القدسي: «يا ابن آدم، دعوت على مَنْ ظلمك، ودعا عليك مَنْ ظلمته، فإنْ شئت أجبناك وأجبنا عليك، وإن شئت تركتكما إلى الآخرة فيسعكما عفوي».
فالحق- تبارك وتعالى- يريد أنْ يُصفِّي نفوس الخَلْق، وأن يقف الناس عند حدود ما أطلعك الله عليه، ولا تبحث عن المستور حتى لا تتعب نفسك، حتى تواجه مشاكل الحياة بنفسٍ صافية راضية عنك وعن الناس.
ثم يقول الحق تعالى: {فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 92] لأن ما تشركونهم مع الله لا يعلمون شيئًا من هذا كله، لا غَيْبًا ولا شهادة؛ لذلك لا ينفعك إنْ عبدتْه، ولا يضرك إنْ لم تعبده. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
قوله: {إِذًا لَّذَهَبَ}: {إذًا} جوابٌ وجزاءٌ. قال الزمخشري: فإن قلتَ: إذًا لا تَدْخُلُ إلاَّ على كلامٍ هو جوابٌ وجزاءٌ، فكيف وقع قولُه: {لَذَهَبَ} جوابًا وجزاءً، ولم يتقدَّمْه شرطٌ ولا سؤالُ سائلٍ؟ قلت: الشرطُ محذوفٌ تقديرُه: لو كان معه آلهةٌ حُذف لدلالةِ {وما كان معه مِنْ إلَهٍ}. قلت: هذا رأي الفراء، وقد تقَّدم ذلك في الإِسراء في قوله: {وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ} [الآية: 73].
قوله: {عَمَّا يَصِفُونَ}. وقرئ {تَصِفُون}، بتاء الخطابِ. وهو التفاتٌ.
قوله: {عَالِمِ الغيب}: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصم بالجرِّ على البدل من الجلالةِ. وقال الزمخشري: صفة لله كأنَّه تَمَحَّضَ للإِضافةِ فتعرَّفَ المضافُ. والباقون بالرفع على القطعِ خبرَ مبتدأ محذوفٍ.
قوله: {فتعالى} عطفٌ على معنى ما تَقَدَّم كأنه قال: عَلِمَ الغيبَ فتعالى كقولِك: زيدٌ شجاعٌ فَعَظُمَتْ منزلتُه أي: شَجُعَ فعَظُمَتْ. أو يكونُ على إضمارِ القولِ أي: أقول: فتعالى اللهُ. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
قوله جلّ ذكره: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ}.
اتخاذ الأولاد لا يصحُّ كاتخاذ الشريك، والأمران جميعًا داخلان في حدِّ الاستحالة، لأن الولد أو الشريك يوجب المساواة في القَدْرِ، والصمدية تتقدَّسُ عن جواز أن يكون له مِثْلٌ أو جنس.
قوله جل ذكره: {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
كُلُّ أمرٍ نِيطَ باثنين فقد انتفى عنه النظامُ وصحةُ الترتيب، وأدلة التمانع مذكورة في مسائل الأصول.
{سُبْحَانَ اللَّهِ} تقديسًا له، وتنزيهًا عماوصفوه به {عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} تَنَزَّهَ عن أوهامِ مَنْ أشرك، وظنونِ مَنْ أفِكَ. اهـ.

.قال ابن القيم:

قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون}.
فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضا بممالكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه فلابد من أحد أمور ثلاثة:
إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه.
وإما أن يعلو بعضهم على بعض.
وإما أن يكون كلهم تحت قهر إله واحد وملك واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه ويمتنع من حكمهم عليه ولا يمتنعون من حكمه عليهم فيكون وحده هو الإله الحق وهم العبيد المربوبون المقهورون.
وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد لا إله غيره كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب له غيره فذاك تمانع في الفعل والإيجاد وهذا تمانع في العبادة والإلهية فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان يستحيل أن يكون له إلهان معبودان. اهـ.